Get Adobe Flash player

دليل الملتقى الدولي

المدية عبر العصور

خمسينية الإستقلال المجيد

أعلام المدية

أعلام المدية

المقالات

المدية عبر العصور

  • مصدر التسمية

ساحة مسجد النور بوسط مدينة المدية إختلف المؤرخون في تسمية هذه المدينة، وتعددت الروايات في صيغة الاسم وفي تاريخه فهل المدينة من كلمة LAMBDIA وهي القرية الرومانية التي سبقت في نفس المكان مدينة المدية؟ وهل هي كلمة بربرية كما زعم بعضهم وقال أن معناها العلو والارتفاع أو الأرض المرتفعة أم هي نسبة لأميرة العثمانيين أنا ذاك كانت تدعى "مدية"؟
تحدث العلامة المؤرخ ابن خلدون عن تاريخها فقال "لمدية" هو اسم بطن من بطون سنهاج البربرية وقد استولى محمد بن عبد القوي أيام بني عبد الواد على حصن هذا البطن المسمى بأهله ونطق بعضهم بلمدونة والنسبة إليها لمداني.
كما قيل إن المدية تأخذ اشتقاقها من المجمع الأخوي للأسقفي لمبيانسيس LABIENSIS لندوة الأساقفة لسنة 411 وإنشائها يرجع إلى 210 م تحت رعاية القائد الروماني سبتموس سيفيروس SEPTIMUS_SERVERUS.

  • تأسيس المدينة

لقد أسس الاحتلال الروماني لشمال إفريقيا عموما وفي ما كان يسمى بموريطانيا القيصرية MAURETANIE_CESARIENNE العديد من المدن مثل الجزائر المدينة (RUSGUNAE) وتيبازة (TIPAZA) وتنس (CARTENAE) كما أسسوا مدن أخرى بنوميديا شرق القطر ووسطه مثل (AUZIA) صور الغزلان و(THAMARAMAA) قرب البرواقية و(LAMBDIA) لمدية.
وقد قال أبو عبيد البكري الأندلسي في القرن 11 ميلادي في كتاب المسالك والممالك عن المدية ما يلي: "بلدة المدية بلد جليل وقديم".
وقال الحسن ابن محمد الوزاني الفاسي الأسد الغرناطي: أن الأفارقة القدماء بنوا هذه المدينة في حدود ما كان يعرف بنوميديا NUMIDIE.
وهناك مؤرخ اسباني في القرن السادس 16 ميلادي يدعى "MARMOL" وقد عاش مدة في المغرب الأوسط (الجزائر) حيث قال "إن مدينة المدية هي عتيقة قديمة أسست في سهل خصب جميل" ويؤكد في آخر قوله أن المدية قد سبقت بني زيري وأنها أقدم من أشير.

  • المدية في عهد بنو زيري وملوك تلمسان بنو زيان

في القرن الرابع الهجري الموافق للعاشر الميلادي امتد نفوذ الدولة الزيرية في مناطق شاسعة من بلاد المغرب الأوسط وكانت حدود هذه الدولة من تيهرت غربا إلى الزاب وعاصمتها بسكرة شرقا وكانت مدينة المدية والجزائر ومليانة ضمن الدول التابعة لدولة بني زيري، وعندما تولى الحكم زيري بن مناد في تيارت عام 349 ﻫـ 960 م من يد الفاطميين سمح لابنه بولوغين بإنشاء ثلاثة مدن وهي المدية، مليانة، الجزائر، وذلك في فترة تقارب عشرة سنوات أي ما بين 350 و360 ﻫـ، وهناك من يرى أن بولوغين هذا لم يقوم بإنشاء هذه المدن الثلاث بل ادخل عليها إصلاحات وتعديلات ولا سيما أنها كانت موجودة فعلا قبل عهده وذلك اعتمادا على أخبار المؤرخين الذين أوردوا معلومات تخص تاريخ هذه المدن الثلاثة.
وفي القرن الخامس الهجري 11 ميلادي أصبحت المدية تحت حماية ونفوذ الثعالبة وحكم بعد ذلك أبو الفتوح بن خنوش أمير سنجاس نواحي المدية بما في ذلك المدينة نفسها وهذا في منتصف القرن الخامس الهجري، ثم خضعت المدية لحكم الزيانيين ملوك تلمسان في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر ميلادي وذلك لأهميتها الإستراتيجية إذ هي في طريق الشرق الجزائري والجنوب ولما استولى محمد بن عبد القوي على المدية انزل بها أولاد عزيز بن يعقوب وجعلها لهم موطنا وولاية ثم تعاقب على حكمها من أمراء بنو زيان عثمان بن يوغمراسن الذي نهض بها عام 688ﻫـ، وقام بدعوته فيها، وافتتحها واختلط قصبتها ثم خلفه ابنه أبو زيان سنة 703 ﻫـ 1304 م، وقد امتد نفوذهم إلى الونشريس، والسرسو وقلعة بني سلامة في منطقة فرندة وتعود شهرة هذه المنطقة الأخيرة أن ابن خلدون كتب فيها مقدمة لكتابه العبر.
وقد شهدت المدية في هذه الفترة حملة مرينية "بنو مرين" في المغرب الأقصى أثناء عودة أبو الحسن المريني من تونس حيث نزل بالجزائر وحارب بنو زيان وطاردهم حتى المدية حاليا، التي فتحها وعهد حكمها إلى عمران بن موسى الجلولي لتظل ردحا من الزمن تحت حكم المرينيين.
وعندما دب الضعف بالدولة الزيانية في تلمسان وأصبح ملوكها في أواخر القرن الخامس عشر ميلادي لا يستطيعون ردع الفتن ولا منع الأعراب من غزو مناطق المملكة وعمل كل ذلك على انفصال المدية عنهم فمال أهلها إلى أمير تنس في مطلع القرن السادس عشر الميلادي مع العلم أن أمير تنس استطاع أن يحمي المدينة بصفة فعالة أكثر من ابن عمه المقيم بتلمسان، وهذا يعود إلى قربه منها وكذا لنفوذه الكبير إلى غاية أن حل الأتراك العثمانيون بالجزائر.
وقد زار المدية في هذه الفترة أي في القرن 16 م الرحالة الشهير الحسن بن محمد الوزاني الفاسي فأعجب بالمدية وبموقعها وبأهلها فقال "المدية مبنية في سهل جميل خصب تسقيه انهار كثيرة وأهلها أغنياء يسكنون دورا جميلة وقد استقبلوني بحفاوة وإكرام كأنني أمير المدينة...وإذا زارهم أجنبي ذو علم ومعرفة فإنهم يعظمونه ويبجلونه ويبقونه عندهم لفصل ما بينهم من القضايا ويعملون بقوله ويصوبون رأيه...أقمت عندهم شهرين".

  • المدية خلال العهد العثماني

بعد دخول بابا عروج إلى مدينة الجزائر تلبية لدعوة أهلها من اجل حمايتهم من نيران الاسبان، قام عروج بفتح مدينة المدية بعد هزيمة أمير تنس حماد بن عبيد في متيجة حوالي عام 1517 ميلادي فترك في المدية حامية عسكرية عثمانية وبعض الأندلسيين وعاد إلى مدينة الجزائر، وبعدما خلف خير الدين أخاه عروج، عام 1518 م قام بتعزيز العلاقات بين الجزائر والخلافة العثمانية مما جعله يحظى بما يحتاجه من إعانة في سبيل تدعيم الدولة الجزائرية عن طريق تأسيس قواعد عسكرية وإدارة محلية في الأقاليم الجزائرية، وهكذا تم تقسيم المناطق الجزائرية إلى بايلكات، ومر نظام البايلك بمراحل كان البايات نواب وخلفاء عن الدايات جمع داي وهو بمثابة رئيس الدولة الجزائرية، وكان البايات من الأتراك أو الجزائريين من الكراغلة المولودين أما أقسام البايلك فكانت كما يلي:

  • أولا: بايلك مدينة الجزائر وما حولها ويشتمل مدن الجزائر، البليدة، شرشال، القليعة، دلس وكانت تدعى دار السلطان.
  • ثانيا: بايلك التيطري والصحراء وقاعدته مدينة المدية وأسس عام 1540 م ويعتبر اصغر البايليكات وأفقرها وأكثرهاارتباطا بالسلطة المركزية، لهذا وضع بجانب الباي حاكم يتصل مباشرة بالجزائر.
  • ثالثا: بايلك الشرق وكان مركزه مدينة قسنطينة وحكم الباي اغلب نواحيه الجبلية والصحراوية عن طريق الرؤساءالمحليين مع العلم أن تأسيس بايلك قسنطينة جرى عام 1565 م.
  • رابعا: بايلك الغرب وأسس عام 1565 م عرف تنوعا في مراكز الإدارة حيث لم تصبح وهران كعاصمة بايلك مستقرة إلا في عام 1792 م بعد تحريرها من نيران الاسبان واتسمت العلاقة التي تطبع بايات المدينة من الأهالي بطابع المودة واللين، ويبرهن على ذلك أن الباي رجب أعفى الشرفاء لمدينة المدية وما جاورها من دفع الغرامة والضرائب، ولم يكن الباي في المدية مقيما فيها بصفة دائمة في أول وهلة بل كان يقيم تارة بالمدية وتارة ببرج سباوو، حيث تكثر المزارع والبساتين بوادي إيسر التابعة للقادة العثمانيين مع العلم أن قبائل وادي السباوو كانت تابعة لبايلك التيطري حتى عام 1775 م.

ومن أشهر بايات المدية الباي عصمان والباي سفطة، أما الأول فقد تم تعيينه عام 1763 م واشترى مزارع عرفت فيما بعد ببلاد سيدون عند أولاد حسن بن علي كما عرفت بحوش عصمان وقد بنى مخازن ومستودعات وإسطبلات، وكان الباي عصمان يقوم بغارات على أولاد سيد أحمد وهو فرع من أولاد نايل، ولكنهم قتلوه في عزوة من غزواته ونفس المصير لقيه الباي سفطة.
وأدخلت تعديلات على إدارة بايلك المدية عام 1775 م وبمقتضى ذلك أصبح مقر بايلك التيطري واحد وعاصمته المدية، أما حدود البايلك فهي كما يلي:

  • في الشمال قبيلة موازية وبني صالح بالقرب من البليدة وبني مسعود.
  • في الشرق قبيلة بني سليمان وعريب.
  • في الغرب قبيلة جندل وأولاد خليف.

وقسم بايلك المدية إلى أوطان وهناك بعض المناطق قسمت إلى تل أعلى وتل أسفل أي جنوبي، وكان الأول يضم قبائل بني حسن وهي كما يلي:(حسن بن علي، بني يعقوب، وزرة، وامري، ريغة وهوارة)، وكانت هذه القبائل مستقرة وتتعاطى الفلاحة، أما التل الجنوبي فكان يضم قبائل الجنوب المتنقلة في بعض الفصول الخاضعة لشيوخها المحليين ونضرب مثلا على ذلك كقبائل (الدوائر، التيطري وأولاد حمزة).
وفي جنوب بايلك المدية كانت توجد قبائل من الرحالة نذكر منها (زيانة، عبادلية، أولاد نايل وأولاد سيدي عيسى).

  • بومرزاق ومقاومة الفرنسيين في المدية

كان آخر بايات المدية الباي مصطفى بومرزاق 1819-1830 الذي امتاز بمقاومته الشديدة للمحتلين الفرنسيين وشارك في معركة اسطاوالي بشكل مستميت مع جيش قوي من قبائل المدية احتل الجنرال كلوزيل مدينة المدية لأول مرة في 21 نوفمبر 1830 بعدما استطاع التوغل في منطقة شفة بعد معركة موزايا التي كانت حاسمة فعلا وترك في مدينة المدية حامية فرنسية بقيادة ماريو، وعين مصطفى بن عمر بايا على التيطري، وفي 27 نوفمبر 1830 وقع هجوم عنيف على مدينة المدية من طرف بومرزاق ابن باي التيطري إلى جانب مساعده ابن زعموم وهو من مدينة صور الغزلان وجرت معركة دموية أمام أسوار المدينة كانت بمثابة ملحمة فعلا، وكاد يتم القضاء على الحامية الفرنسية نهائيا، لو لم يجمع مصطفى بن اعمر بعضا من أهالي مدينة المدية ويحملهم تحت الضغط والإكراه على مساعدة الفرنسيين وكانت عاقبة ذلك وخيمة، فقد كان من الصعب على الفرنسيين التمييز بين أعدائهم والموالين لهم لأنهم كانوا جميعا يرتدون البرنس، حيث اخذوا يطلقون النار دون أن يفرقوا بين أعدائهم وأصدقائهم حيث اختلط عليهم الحابل بالنابل فنتج عن ذلك اضطراب شديد في الصفوف وأحس بعض الأهالي الذين انضموا إلى الفرنسيين أنهم خدعوا، ولشدة هجوم بومرزاق (كان معظم جيشه من أهالي المدية المخلصين) انسحبت الحامية الفرنسية إلى مدينة الجزائر تجر ذيول الهزيمة.
وجدد الفرنسيون الحملة على مدينة المدية قادها الجنرال بيرتيزين عام 1831 وأصيب مواطنو المدية في أملاكهم أكثر مما أصيب غيرهم، وكانت هذه الحملة بمثابة عزوة نهب حرق فيها الفرنسيون ودمروا كل ما لم يستطيعوا أخذه، وعاد الجيش الفرنسي إلى الجزائر وهو يسوق أمامه عددا من القطعان المسروقة، وحاول السلطان المغربي مولاي عبد الرحمان أن يمد نفوذه على مدينتي المدية ومليانة بعدما احتل تلمسان حتى انه بعث ممثلين له عن مدينتي المدية ومليانة، ولكن تبعية هاتين البلدتين لم تدم طويل بسبب حملة الجنرال بيرتيزين الآنف ذكرها.

  • مقاومة الأمير عبد القادر

بعد انطلاق مقاومة الأمير عبد القادر الذي لم يجد أهل الجزائر سواه إماما للمجاهدين ضد المحتلين الفرنسيين في منطقة معسكر مسقط رأس الأمير حاملا لواء الجهاد قائلا: "اعلموا أن غايتي القصوى، اتحاد الملة المحمدية، وللقيام بالشعائر الأحمدية وعلى الله الإتكال في ذلك كله" وضمن إطار إستراتيجية الأمير، توجه بعدها نحو الناحية الشرقية فضم مليانة والمدية حيث دخل إلى المدينة الأولى عام 1835 م ونصب أخاه محي الدين الصغير كحاكم عليها، ثم توجه نحو المدية في 20 أفريل 1835 فوجد في حوش عمورة قرب جندل الحاج موسى الدرقاوي الذي كان واليا على المدية ووقعت مواجهة حربية بين الطرفين وانهزم الدرقاوي ودخل الأمير بعدها إلى المدية فعين حاكما عليها بمثله وهو محمد بن عيسى البركاني، وعاد بعد ذلك إلى معسكر.
وفي سنة 1836 م استولى الجنرال كلوزيل على مدينة المدية للمرة الثانية وولى عليها عوضا عن الباي الذي كان قد توفي قبل ذلك، محمد بن الحسين، الذي دفع حياته ثمنا لإخلاصه للمحتلين الفرنسيين، إذ لم ينتصر عليه احد من خلفاء الأمير عبد القادر سوى محمد البركاني حيث أخذه أسيرا إلى الأمير، فأمر عبد القادر بنقل محمد ابن الحسين إلى المغرب الأقصى وإرساله إلى مولاي عبد الرحمان السلطان المغربي دليلا على انتصار الأمير في جهاده، إلا أن حاكم مدينة وجدة أبى عليه اعتزازه بقومه إلى أن يقضي على حماسة ذلك الزنديق الذي وضع نفسه تحت تصرف الأعداء فأمر بإعدامه شنقا.
وفي عام 1837 م أقام الأمير عبد القادر في المدية ردحا من الزمن، فاستقبل بها أعيان البليدة ثم نصب أخاه الحاج مصطفى خليفة له على المدية، وفي أوج ازدهار دولة الأمير من ناحية قوة سلطته وفعالية نفوذه اتخذ قرارا وجيها وهو جعل مقر الخليفة في مدينة المدية وعين البركاني بصفة دائمة عليها، وأصبحت هذه المدينة مع تلمسان ومعسكر ومليانة تمثل جبهة تساير الساحل في حالة مواجهة مع الأعداء الفرنسيين، وفي نوفمبر 1839 م عاد الأمير إلى المدية ليواصل حربه ضد الفرنسيين فجعل المدية عاصمة دولته، فتوجه إليها الأعيان والأنصار ونشبت الحرب ولعب خليفة الأمير على مليانة ابن علال ولد سيدي علي امبارك وخليفته على المدية محمد البركاني دورا هاما في حرب الاستنزاف وتتمثل في تعطيل مواصلات العدو وقطع الماء عليه.
إلا أن سياسة حرب الإبادة التي انتهجتها فرنسا للقضاء على زمالة الأمير وتعطيل الإمدادات عليه قد أضرت بشكل كبير في تراجع امتداد المقاومة وتقهقرها، هذه الظاهرة التي التصقت بسلوكيات الجيش الفرنسي بل ومنذ البدايات الأولى للإحتلال قد نتج عنها إحراق مداشر بأكملها وبأهلها وحيواناتها، وقطع الرؤوس وصلب الرجال، والتمثيل بالجثث وإبادة أعراش بأكملها وتشريد عائلات ونفي عائلات أخرى، وقد عبر الجنرال السفاح بوجو لدى تصريح له في هذا الصدد يقول "هكذا تتم عملية الحرب مع العرب، فيجب أولا وقبل كل شيء قتل رجالهم من سن 15 فما فوق والإستيلاء على الأطفال والنساء ثم إرسالهم إلى جزر الماركينز أو إلى جهة أخرى، وبكلمة مختصرة إفناء كل ما من شأنه يزحف تحت أقدامنا".
وفي موضع آخر يعبر فيه على حرب الإبادة أيضا قائلا: "إن عملنا هذا يعتبر عملا مدمرا أكثر مما هو عملا عسكريا، لقد تركنا بمناطق مليانة خرابا مهولا وإحراق القرى والمداشر".
قرر الوالي العام فالي احتلال المدية ومليانة فدخل إلى مدينة المدية في 17 ماي 1840 فوجدها خالية من أهلها الذين غادروها فحصنها وجعل عليها حامية بقيادة الجنرال دوفيفي ثم جاءها فيما بعد الجنرال بوجو في 01 أفريل 1841 فلجا محمد البركاني إلى الجنوب، ودخل المعمرون على المدية وضواحيها في 1847 م وكان تعدادهم 2322.
لم تضعف المقاومة بعد سجن ونفي الأمير عبد القادر الجزائري إلى فرنسا في 23 ديسمبر 1847، بل ترك مشعل الثورة لأبطال آخرين حيث بقيت روح المقاومة تلازم الفرد الجزائري كواجب عليه لضرورة طرد المحتل الغاشم الذي جاثم على أرضه، وحرمه من حقوقه الإنسانية والمواطنة، ومن خيراته وأرضه واعتدى حتى على أسرته ومجتمعه، وذلك طيلة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فبعد مقاومة الأمير عبد القادر والتي امتدت من 1832-1847 وشملت القطر الجزائري من بينها كل من المدية وبسكرة ومعسكر وتلمسان ومليانة انفجرت العديد من المقاومات والثروات ومن أهمها نجد:

  • مقاومة أحمد باي 1837-1848 وشملت منطقة قسنطينة.
  • ثورة محمد بن عبد الله الملقب ببو معزة 1845-1847 بشلف والحضنة والتيطري.
  • مقاومة الزعاطشة 1848-1849 بالزعاشطة (بسكرة) والأوراس ومن أهم قادتها الشيخ بوزيان.
  • مقاومة الأغواط وتوقرت 1852-1854 تحت قيادة الشريف محمد بن عبد الله بن سليمان.
  • ثورة القبائل 1851-1857 بقيادة الشريف بوبغلة ولالا فاطمة نسومر.
  • ثورة أولاد سيدي الشيخ 1864-1880 بواحة البيض وجبل عمور ومنطقة التيطري وصور الغزلان وتيارت بقيادة سليمان بن حمزة.
  • ثورة المقراني 1871-1872 ببرج بوعريريج وبجاية وسطيف وتيزي وباتنة وصور الغزلان والحضنة.
  • مقاومة بن العربي بن التاجالمعروف ببوعمامة 1881-1883 وشملت عين الصفراء وتيارت وسعيدة وعين صالح.
  • مقاومة التوارق 1916-1919 بتاغيت الهقار وجانت وميزاب وورقلة بقيادة الشيخ آمود.

غير انه مع بداية القرن العشرين بلغت السيطرة الاستعمارية في الجزائر، ذروتها رغم كثافة المقاومات الشعبية المساحة التي شملت كل أنحاء الوطن، وبدا دوي المعارك يخف ليفتتح المجال أمام انبثاق نوع جديد من المقاومة السياسة أين بدار الجزائريين بتشكيل عدة أحزاب وطنية وجمعيات ونوادي ثقافية ودينية قصد تحقيق المطالب الوطنية بالطرق السلمية وهي المرحلة التي يسميها المؤرخون بمرحلة انتشار الوعي السياسي والتحرري.
ومن أهم رجالات الحركة الوطنية بولاية المدية الذين حملوا على عاتقهم قيادة النضال السياسي بمختلف اتجاهاته الوطنية، وتزعموا التوعية السياسية والدينية والفكرية أمثال الدكتور محمد ابن أبي شنب الذي كانت له ثقافة عربية فرنسية جعلته يتألق في عالم المعرفة حتى وصل إلى منصب عميد كلية الآداب بجامعة الجزائر، الشيخ بن دالي براهم، الشيخ فضيل اسكندر مفتي الحنفية، ومصطفى فخار مفتي المذهب المالكي، والعقيد الشهيد الطيب بوقاسمي المعروف بالطيب الجغلالي الذي كان على اتصالات واسعة على مستوى القيادة السياسية للحركة الوطنية مثل ديدوش مراد ودماغ العتروس وسويداني بوجمعة وسي علي من ناحية شلف، والرائد الشهيد محمود باشن، الشيخ الحسين سليماني.
إلا أن نشاط الحركة الوطنية المميز لم يستفحل أكثر نشاطا وامتدادا إلا بعد محرقة مجزرة 08 ماي 1945 الأليمة، حيث عرفت ولاية المدية بجميع مناطقها الكبرى في هذه الفترة العديد من التنظيمات السياسية والجمعيات الدينية والنوادي الكشفية والرياضية، نذكر منها حزب الشعب الجزائري الذي كانت له عدة خلايا في كل مدينة المدية والبرواقية وتابلاط وقصر البخاري وعين بوسيف حيث وصل عدد المنخرطين في كل منطقة من المناطق المذكورة مائة مناضل ومما يدل في هذا الشأن على استعداد وبلوغ أهالي المنطقة شيء من النضج الثقافي والسياسي هو زيارة مناضلي حزب الشعب الجزائري السادة سعد دحلب، رابح بيطاط، فليسي محمد إلى منطقة عين بوسيف عام 1947.
كما نجد جمعية العلماء المسلمين هي الأخرى حظيت بتواجدها منذ سنة 1940، وضمت العديد من المنخرطين والشيوخ من خلال عدد هائل من الخلايا التي باشرت بإنشائها، هذه الخلايا التي لعبت دورا رياديا في توعية الشباب والتفافه حول النضال الإصلاحي، وهنالك عدد من الرسائل الأخوية التي بودلت بين شيوخ الزوايا بالمنطقة مع رائد النهضة الشيخ عبد الحميد بن باديس.
وخلال مرحلة الفتور التي عرفتها الحركة الوطنية منذ مطلع سنة 1947 وهي المرحلة التي برز فيها انقسام الوطنيين الجزائريين بين فريقين، فريق النطيحة والمتردية، وفريق نفذ عنده كل أشكال الائتمان والاعتماد على الأساليب السلمية اتجاه المستعمر، إلى جانب نجاح الإدارة الاستعمارية في استمالة البعض من الوطنيين في ما عرف بسياسة الجري وراء الكراسي في المجلس الجزائري ونجاحها في ما عرف كذلك بمهزلة الانتخابات التي كانت الإدارة الاستعمارية تنجح من تشاء وتفشل من تشاء، فان مدينة المدية كغيرها من مناطق البلاد كانت من أشدها تأثرا بتلك الأحداث السابقة الذكر إلى جانب ما كان سكانها يعانون من العزلة الجغرافية والفقر المدقع والحرمان بأحسن حالاته وعنف الإدارة الاستعمارية.
كل هذه المعطيات ساهمت كثيرا في شحذ الهمم وتعميق روح العداء والنقمة والسخط على المستعمر الغاشم.
وأثناء مرحلة التصدع التي عرفتها الحركة الوطنية وانقسامها إلى ثلاث تيارات، وبروز الحد الفاصل بين التيار الثوري المنادي بالكفاح المسلح من اجل الاستقلال والتيار المحافظ المنادي بمعالجة القضية الوطنية بالأسلوب السياسي وعدم الاحتكام إلى السلاح، ففي خضم هذه التطورات كان من أولئك الفتية الذين امنوا بربهم واعتنقوا فكرة الثورة المسلحة كالسبيل الوحيد لتحقيق الاستقلال الوطني الشهيد العقيد الطيب بوقاسمي الذي يعتبر أول من اشرف على بث التنظيم الثوري وتكوين الأفواج المسلحة بولاية المدية، بحيث كان على اتصالات كثيفة مع الشهيد سويداني بوجمعة، كما كان من بين الحاضرين في الاجتماع الذي عقده الشهيد سويداني بوجمعة بالصومعة في نهاية أكتوبر 1954 بخصوص توزيع الأسلحة وتنظيم خلايا الاتصال وتجنيد الثوار رفقة الرائد الشهيد محمود باشن، إذ مع نهاية سنة 1955 أصبح التنظيم العسكري للثورة بولاية المدية الحالية يشتمل على ما يلي: خلايا سياسية مبثوثة في المدن والقرى والمداشر والدواوير، أفواج عسكرية مسلحة تجوب مختلف أطراف الولاية حاليا والولاية الرابعة بصفة عامة، فدائيون في القرى والمدن وهم امتداد لجيش التحرير،مسبلون وجهاز اتصال كثيف.
وهكذا لم تتخلف ولاية المدية وأبنائها عن الالتحاق بالثورة لتكون مسرحا للعديد من العمليات العسكرية الكبرى التي أذهلت العدو الفرنسي.

  • من النشاطات الثورية الكبرى لولاية المدية إبان ثورة التحرير 1954-1962

إن عملية الحديث أو حصر جميع العمليات العسكرية التي دارت رحالها بمختلف بلديات ولاية المدية إبان الثورة التحريرية ليس أمرا سهلا، نظرا لنقص المعلومات من جهة وكثرة وتشعب الأحداث العسكرية ذاتها، وبناءا على ذلك فقد تم تسليط الضوء والاكتفاء بذكر أهم العمليات العسكرية التي توفرت لنا حولها المعلومات، والتي تبين من خلالها انه قد وقع ما يقارب 1050 عملية عسكرية في ولاية المدية بين معارك برى، اشتباكات، عمليات فدائية، كمائن، عمليات تخريبية، هجومات، استخدمت فيهم الأنواع المختلفة من الأسلحة المحرمة دوليا وأسلحة الدمار الشامل، ولا تزال آثار هذا الإجرام بادية للعيان وشاهدة على فضاعة الاستعمار، ونذكر من بين هاته المعارك، معركة بولقرون 1958، معركة موقورنو 1958، معركة جبل ثمودة، معركة جبل فورنة وذلك طيلة الفترة الممتدة من 01 نوفمبر 1954 إلى غاية تحقيق الاستقلال الوطني.
فدفعت الولاية ببلدياتها وقراها ومداشرها قوافل من الشهداء، فداءا للوطن، قاربت عشرة آلاف شهيد، كما خرج من رحم الولاية أبطال وقادة، وكانوا مدرسة للتضحية والفداء مثل العقيد سي الطيب الجغلالي، وفراش أحمد، والرائد سي لخضر، والرائد محمود باشن كما استشهد على أرضها الطاهرة العقيد سي أمحمد بوقرة والرائد سي لخضر وغيرهم من لأبطال والشهداء.
هذا وقد أقام العدو مراكز للتعذيب بلغت حوالي 110 مركز، مورست فيه أبشع صور التنكيل والتعذيب الوحشي نذكر منهم مركز التعذيب بكامورة، اللودي، الداميات، كما أقيمت المحتشدات والثكنات العسكرية المختلفة وأبراج المراقبة على مستوى تراب الولاية حيث نحصي حوالي 23 ثكنة عسكرية و129 مركز عسكري وغيرهم من مظاهر التعذيب الاستعماري الوحشي.
وللحفاظ على ذاكرة التاريخ تم إنشاء 33 مقبرة شهداء و27 معلم مخلد لأهم الأحداث التاريخية البارزة كما أقيم متحف للمجاهد يحمل اسم العقيد سي أمحمد بوقرة يسهر على جمع المادة التاريخية وتسجيل الشهادات الحية وتعريف الأجيال الصاعدة بتاريخ الولاية المجيد، كما تحتفل الولاية في كل عام بالأيام والأعياد الوطنية التاريخية وتتميز ولاية المدية بإحياء ثلاث مناسبات تاريخية هامة محلية هي:

  • 05 ماي ذكرى استشهاد العقيد قائد الولاية الرابعة التاريخية سي أمحمد بوقرة.
  • 05 مارس ذكرى استشهاد الرائد سي لخضر.
  • 29 جويلية ذكرى استشهاد القائد العقيد سي الطيب الجغلالي

...بقى ولاية المدية المجاهدة تشق طريقها في ميدان البناء والتشيد وفاءا لأمانة الشهداء الأبرار وتضحيات المجاهدين الأفذاذ.